مؤسسة آل البيت ( ع )
37
مجلة تراثنا
طريق تحويل تلك الأدوار الزاخرة بالعلم والمعرفة إلى قوة جديدة وطاقة محركة للحياة ، مع تشخيص ما في ذلك العطاء القيم من نقاط انطلاق لم تبلها سعة المسافات الزمنية الفاصلة بيننا وبين عصور أولئك العباقرة العظام . وليس هناك ذرة شك بأن على رأس العباقرة العظام الإمام أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) ( ت 148 ه ) ، ذلك الإمام العظيم الفذ ، والعبقري الفرد ، عديم النظير في عصره شرفا وعلما وأدبا وأخلاقا وفضلا ونبلا وسموا . فقد استطاع وبكل جدارة أن يعيد للإسلام قوته ، ويرسي قواعد الفكر الصحيح على أسسه ، فاضطلع ( عليه السلام ) بمهمة التغيير الكبرى على أوسع نطاق ، خصوصا وقد شاهد خطورة الموقف الإسلامي إزاء تلوث المجتمع بالمفاهيم الدخيلة الوافدة إليه عن طريق الفلسفات الأجنبية التي تسللت رويدا إلى ساحته عبر القنوات الكثيرة التي شقتها فتوحات العصر الأموي ( 40 - 132 ه ) وأوائل العصر العباسي ( 132 - 234 ه ) ، وما نتج عن ذلك من نشوء التيارات الفكرية الخطيرة ، مع بروز حركة الزندقة بفعل تلك الرواسب الثقافية الدخيلة ، فضلا عن استشراء الفساد الخلقي في عاصمة الخلافة - دمشق ثم بغداد - على أثر تصدير الانحراف إلى شرائح المجتمع من قصور الخلفاء أنفسهم ، ويشهد على ذلك الكثير مما وصل إلينا من أدب البلاط في ذينك العصرين . وقف الإمام الصادق ( عليه السلام ) كالطود الأشم بوجه تلك العواصف الكثيرة التي كادت أن تعصف بالإسلام ، وجاهد جهادا علميا عظيما حتى استطاع بحكمته وعطائه وإخلاصه لله عز شأنه أن يصبغ الساحة الفكرية والثقافية